القرطبي

63

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

التاسعة - قوله تعالى : ( فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) الآية . فرض الله تعالى للواحدة النصف ، وفرض لما فوق الثنتين الثلثين ، ولم يفرض للثنتين ( 1 ) فرضا منصوصا في كتابه ، فتكلم العلماء في الذليل الذي يوجب لهما الثلثين ما هو ؟ فقيل : الاجماع وهو مردود ، لأن الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى البنتين النصف ، لان الله عز وجل قال : ( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) وهذا شرط وجزاء . قال : فلا أعطي البنتين الثلثين . وقيل : أعطيتا الثلثين بالقياس على الأختين ، فإن الله سبحانه لما قال في آخر السورة : ( وله أخت فلها نصف ما ترك ) وقال تعالى : ( فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ( 2 ) ) فألحقت الابنتان بالأختين في الاشتراك في الثلثين ، وألحقت الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين . واعترض هذا بأن ذلك منصوص عليه في الأخوات ، والاجماع منعقد عليه فهو مسلم بذلك . وقيل : في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين ، وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث إذا انفردت ، علمنا أن للاثنتين ( 3 ) الثلثين . احتج بهذه الحجة ، وقال هذه المقالة إسماعيل القاضي وأبو العباس المبرد . قال النحاس : وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط ، لان الاختلاف في البنتين وليس في الواحدة . فيقول مخالفه : إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف ، فهذا دليل على أن هذا فرضهم . وقيل : ( فوق ) زائدة أي إن كن نساء اثنتين . كقوله تعالى : ( فاضربوا فوق الأعناق ( 4 ) ) أي الأعناق . ورد هذا القول النحاس وابن عطية وقالا : هو خطأ ، لان الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى . قال ابن عطية : ولأن قوله تعالى : ( فاضربوا فوق الأعناق ) هو الفصيح ، وليست فوق زائدة بل هي محكمة للمعنى ، لان ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ . كما قال دريد بن الصمة : أخفض ( 5 ) عن الدماغ وارفع عن العظم ، فهكذا كنت أضرب أعنان الابطال . وأقوى الاحتجاج في أن للبنتين الثلثين الحديث الصحيح المروي في سبب النزول . ولغة أهل الحجاز وبني أسد الثلث والربع إلى العشر .

--> ( 1 ) في ب ود وز وط وى : فوق ابنتين ، للبنتين . ( 2 ) راجع ج 6 ص 28 ( 3 ) في ى : للابنتين . ( 4 ) راجع ج 7 ص 378 ( 5 ) الذي في سيرة ابن هشام ج 2 ص 852 ط أوروبا : وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فانى كذلك كنت أضرب الرجال .